واجهة من زجاج

واجهة من زجاج

شهِدت و أنا في الثامنة من عمري حوارا كان له أثر غريب في نفسي.. يومها رأيت جارنا الخمسيني يكلم ابنه قائلا: إنك يا ولدي قد تعمر ألف سنة وتخرج من الحياة خالي الوفاض، ومن الممكن أن لا تكمل العقد الثالث من عمرك وتترك خلفك ما يجعل غيرك لا ينسى ذكرك. أتذكر يومها أنني سألت أمي عن معنى مقولة جارنا فردت علي قائلة: إن الحياة اختيار،، والموت اختيار،، وبين الخيارين واجهة من زجاج لابد لها أن تكسر. كلام أمي يومها لم يجب عن سؤالي،، أو ربما هذا ما اعتقدت.. ظل جوابها المبهم علامة استفهام ولغزا محيرا يجول في تلافيف دماغي الصغير الذي لم يكن بوسعه وقتها أن يفهم مضمون مصطلح الحياة أو حتى الموت.. وكيف لهما أن يكونا خيارا؟؟ زجاج؟؟ وواجهة ماذا اللتان تفصلان بينهما؟؟ نظرت لأمي باستغراب للحظة ثم حضنت لعبتي المفضلة التي أحملها معي أينما ذهبت وسرت مبتعدة إلى غرفتي. تلك كانت  عادتي كلما استغربت شيئا أو حاولت أن أفهم أمرا مستعصيا يعجر عقلي عن تفكيك شيفرة الإبهام فيه.. لعبتي.. أعود إليها وكأن الدنيا تلخصت فيها هي.. قرار سهل.. وتفكير ساذج.. أن تلجأ إلى لعبة تنسيك أمرا أتعبك .. لكن ماذا لو اكتشفت أنك تعيش في متاهة.. وأنا حياتك بحذ ذاتها لعبة،، لعبة معقدة وليس سهلا أن تهرب منها. لنعتبر أن الحياة على قول شكسبير “مسرح” وأننا كلنا نلعب دورا فيها.. فلنركز على كلمة “نلعب” لأنها أهم جزء في متاهة الحياة. لنلعب إذن!!
في سن العاشرة وبينما أنا أجلس في الصف إذ بزميل لي يجلس ورائي يطلق زغرودة غريبة .. كان أمرا مضحكا!! تعالت أصوات الضحكات في الصف وكنت أنا من بينهم إلى أن اتهمت بأنني الفاعلة وقررت الأستاذة أنني أستحق عشر ضربات على فعلتي كي تعلمني الاحترام.. الأحترام !!؟ لطالما كنت محترمة وطفلة عاقلة .. كيف لذلك أن لا يشفع لي؟؟ كيف لها أن تشك بي؟؟ كانت تلك أول مرة أذوق فيها طعم الظلم،، طعم مر،، ولكنني صمِت ولم أدافع عن نفسي،، كما سكت كل من حولي ..كل زملائي يومها  كانوا شياطين خرساء سكتوا عن ظلمي ولم يشهدوا لصالحي.. لحظتها مرت ببالي عبارة أمي “واجهة من زجاج لابد أن تكسر” أحسست لحظتها بغضة في حلقي وأنه حقا وجب لشيء أن يُكسر عله يزيل ضيقي.. لكن ما هو؟؟ لست أدري.
مرت علي مواقف عديدة مشابهة شعرت فيها بلحظات ضعف،، لحظات ألم و استغلال كان ردي عليها بالصمت وبذرف بعض دموعٍ ساخنة تريح قلبي و تُبرد لوعته .. إلى أن جاء ذلك اليوم. يوم شتوي بارد .. استيقظت بقلب منقبض.. كان من المفترض يومها أن يرجع لنا الأستاذ أوراق الامتحان.. أهم مادة وأحبها إلى قلبي،، نادى الأستاذ باسمي .. ورقتك !! تفضليها.. النتيجة؟؟ ضعيفة مع ملاحظة: you do  not  have a level of a second year student!! ليس لديك مستوى طالب في سنته الجامعية الثانية… أطلت يومها النظر في ورقتي.. تذكرت أنني لم أراجع لهذا الامتحان لظروف نفسية.. وأنني سألت عن بعض معلومات من صديقة قبل الامتحان.. فكان ردها أن أعطتني معلومات خطأ أدت إلى دنو علاماتي.  عادت تلك الغصة من جديد .. عبارة ” واجهة من زجاج لابد لها أن تكسر”  تلوح أمام ناظري ولأول مرة .. رفعت يدي.. نعم يا آنسة؟؟ أجاب الأستاذ.. رددت قائلة: وودت فقط أن أشارك زملائي بمعلومة قرأتها عن كاتبي المفضل اللورد بايرون .حينما بدأ مسيرته الكتابية لاقى انتقادا كبيرا من طرف القراء إلا أنه كان دائما يردد أنه لن يمكن لأحد أن يوقف مسيرة رحلته الشعورية.. الكتابة بالنسبة له كانت عالما يفرغ فيه طاقاته السلبية وتجاربه الحياتية السيئة وأن مستوى كتاباته لا يمكن تحديدها أو إيقافها لمجرد رأي ناقد.  لم يكن من السهل علي يومها أن أتكلم وأقول ما يجول بخاطري.. أنا التي كنت أقدس الأستاذ وأجد أي رد عكسي لما يعتقده خروجا عن الأدب وانتقاصا من قدره واحترامه.. لكن بكلامي يومها غضة قلبي تلاشت.. الواجهة الزجاجية كسرت آخيرا..  علمت حينها أن الحاجز  الذي وجب كسره لم يكن سوى حاجز الصمت و أن الحياة صوت أمل يتردد صداه بداخلنا فإما نختار أن نصرح به فنعيش أو نكتمه بداخلنا فنموت.
عندما دخلت اللعبة كنت تعلم أن الحياة “لعبة اختيار” وها نحن نصل إلى قلب اللعبة حيث لك أنت مطلق الاختيار أن تحرر نفسك من قيدك فترتفع .. أو تستلم له فتنهار..
Kada Wafaa

اللورد بايرون

اللورد بايرون

جورج غوردون بايرون أو اللورد بايرون (Lord Byron؛ 22 يناير 1788 في إنجلترا – 19 أبريل 1824 في اليونان) شاعر بريطاني من رواد الشعر الرومانسي. كانت قصائده تعكس معتقداته وخبرته. شعره تارة ما يكون عنيفاً وتارة أخرى رقيقاً، وتتصف قصائده في أغلب الأحيان بالغرابة. يصر اللورد بايرون على حرية الشعوب
واجهة من زجاج شهِدت و أنا في الثامنة من عمري حوارا كان له أثر غريب في نفسي.. يومها رأيت جارنا الخمسيني يكلم ابنه قائلا: إنك يا ولدي قد تعمر ألف سنة وتخرج من الحياة خالي الوفاض، ومن الممكن أن لا تكمل العقد الثالث من عمرك وتترك خلفك ما يجعل غيرك لا ينسى ذكرك. أتذكر يومها أنني سألت أمي عن معنى مقولة جارنا فردت علي قائلة: إن الحياة اختيار،، والموت اختيار،، وبين الخيارين واجهة من زجاج لابد لها أن تكسر. كلام أمي يومها لم يجب عن سؤالي،، أو ربما هذا ما اعتقدت.. ظل جوابها المبهم علامة استفهام ولغزا محيرا يجول في…

Passage en revue

Note de l'utilisateur 3.7 ( 2 votes)

Laisser une réponse

Votre adresse email ne sera pas publiéeLes champs requis sont surlignés *

*